زحمة الطريق بين الصبر والتوكل
منذ وجود الإنسان في بطن أمه وهو جنين في رحمها يكبر يومًا بعد يوم ويضيق عليه المكان الذي هو فيه وتبدأ معه زحمة الحياة، فيخرج إلى الدنيا بالولادة. وكأنها أول محطة ازدحام في رحلته الطويلة مع الحياة، يخرج باكيًا، لا لأنه يتألم فقط، بل لأنه انتقل فجأة من عالم هادئ إلى عالم صاخب مليء بالاحتياجات والمسؤوليات.
يكبر الطفل وتبدأ معه زحمة أخرى، ازدحام الاحتياج إلى الرعاية والاهتمام والحنان والعطف والمحبة والرحمة من الوالدين. ثم يزدحم مع إخوته في البيت مع الألعاب والطعام والاهتمام والفروقات بينه وبين أخوته ويتعلم مبكرًا أن الحياة ليست دائمًا واسعة كما يتمنى ويعتقد.
ثم تأتي المدرسة وفيها زحمة الصفوف والطلبة، وزحمة الواجبات والاختبارات والمذاكرة والأنشطة الغير صفية مقارنة بزحمة التوقعات بالنجاح والتفوق والتحصيل الدراسي. فيومه ممتلئ ببرامج محددة، عليه أن يلتزم بها، وأن ينجح، وأن يثبت نفسه وبعدها ينتقل من الابتدائية إلى المتوسطة ثم الثانوية، وكل مرحلة تضيف عبئًا جديدًا ومسؤولية أكبر، وقلقًا أعمق حول المستقبل.
ويصل إلى مرحلة الحسم وقرار المستقبل العلمي بالحصول على درجات عالية في اختبار القدرات والتحصيلي والشهادة الثانوية لأجل الحصول على مقعد جامعي وتخصص مرغوب ومطلوب في المستقبل، ومن هنا تشتد الزحمة، ليس في الوقت فقط، بل في العقل والقلب وكثرة التفكير والمثابرة والاجتهاد ليحصل على نتيجة طيبة قبل أن يكون عبئا على والديه، فالنتيجة لم تعد رقمًا عابرًا، بل بوابة لمستقبل كامل ثم التسجيل في منصة القبول للجامعات وتنفيذ الطلبات، والانتظار والتوتر حتى تتحقق الأمنية بالحصول على مقعد جامعي ليسعد نفسه وأهله بالدراسة الجامعية، وإن لم يكن له نصيب فتلك مصيبة أخرى تشغل قلب الوالدين على ابنهما قبل نفسه، ويترتب على العائلة وضع خطة بديلة لتحقيق مستقبله وضمان الوظيفة.
لكن الزحمة لا تنتهي، ففي الجامعة يواجه تنوع الناس، وتعدد الثقافات، وضغط الدراسة، وزحمة الطريق حرفيًا ومعنويًا ومنها ذهابه وإيابه للجامعة في طريق مزدحم بالسيارات وبالأحلام، وبالطموحات المتداخلة، والتفكير بمستقبل الوظيفة بعد التخرج، ويظن أن الطريق سيتسع، فإذا به يضيق أكثر، ومنها البحث عن وظيفة وإثبات الذات والخوف من الفشل، والقلق من التأخر. ثم الزواج وتكوين أسرة، وتهيئة السكن، وتربية الأبناء فكلها مسؤوليات تتراكم، وطريق يزدحم أكثر فأكثر.
وهكذا يعيش الإنسان في كبد، ولكن الحقيقة التي قد نغفل عنها أن هذا الكبد هو جوهر الحياة، وهو معنى السعادة الحقيقية. فالسعادة ليست في خلو الطريق، بل في القدرة على السير فيه بثبات، فقيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يُحسن، وفيما يقدّم، من أول لحظة في حياته إلى آخرها.
*كيف نتفادى زحمة الطريق التي تضيق الخاطر؟ *
ليس بالهروب من المسؤوليات، بل بفهمها وأن تجعل الله أمامك دائمًا، تستشعر مراقبته، وتتوكّل عليه في كل خطوة. أن تعلم أن الزحمة قدرٌ عام وفي كل مكان: في البيت والعمل والدراسة والسوق وحتى داخل النفس. لكن الذكاء الحقيقي أن تختار وقتك، وأن تمشي بهدوء، وألّا تقارن سرعتك بسرعة الآخرين.
خفّف عن نفسك فليس كل تأخير خسارة، وليس كل ازدحام فشلًا. أحيانًا نحتاج أن نقف جانب الطريق قليلًا، نلتقط أنفاسنا، ثم نكمل المسير بثقة. فالحياة كلها زحمة وطريق السعادة من عرف كيف يعبرها بقلب مطمئن، وخطى هادئة، والتوكّل على الله بشكل ثابت ومستمر.
وأخيرا لا تُزاحم قلبك بما لا يستحق، ولا تترك روحك مزدحمة بأمور تُبعدك عن خالقك، حين يهدأ القلب بذكر الله، تهدأ الحياة كلها، وتخفّ الزحمة مهما اشتدّت الطرق. فالطمأنينة ليست في خلوّ الأيام من المتاعب، بل في امتلاء القلب بالثقة بالله. ومع الذكر يأتي السكون، ومع السكون تولد طاقة جديدة للحياة، طاقة تجعلك تمضي بثبات، وتعيش بسعادة، * «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» * وحين تطمئن القلوب، تتّسع الطرق، ولو كانت مزدحمة.









