هكذا بدأت القصة
لا مفر من الأعتراف، كانت حياتنا في الماضي، تختلف كثيراً تجاه العلاقات الإجتماعية، كانت أقوى مما عليه الآن، جميع منازل الجيران تعتبر منزلنا، تميزت بصفا القلوب، يفرحنا ما يفرح جيراننا وأصدقاؤنا، ويحزننا ما يحزنهم لا قدر الله.
توجد في الماضي العديد من القواسم المشتركة بين الناس، الصدق والأمانة، الصداقة والأخوة النبيلة، زيارات يومية متبادلة، صحبة نافعة نصوحة، تسودها التسامح والمحبة والمودة، كانت القلوب مفتوحة على بعض، ما تنقصه أحد حاجة ألا وجاره يعطيه، أي يسد عوزته، ما حد ينام جوعان من الفريق «الحي» أو أسرة محتاجة، الجمعات طول اليوم في مجالسهم المتواضعة، المزارع، البناي، الحداد، الخباز، المعلم، العامل البسيط كما هو الميسور والفقير، يدخل الواحد بيت جاره وكأنه داخل بيته، بوقار وأحترم وحشمة، الطيبة والأخلاق تكسو الأنفس، وقد عبر العديد من الأخوة ممن عاشوا سنوات، ليست بقصيرة من تلك الفترة الماضية، منها عبارات أكثر شعبية هي، ما يصرخ الواحد صرخة ألا جوه الفريق كلهم فزعه، كبيرهم وصغيرهم رجالهم وعوائلهم.
هناك جوانب جميلة من حياة الماضي، ومن خلال إستبيان أرسل نحتفظ به، وصلتنا من البعض الأخوة الأعزاء، من قرائنا الأدباء، وها نحن نضيف جزءً مختصراً منها للمقال لتعطي تلك النقاط بعداً أكبر منها، كان أحترام الكبير وتقديره، فالصغير كان يتعلم الأدب قبل الكلام، ويستفيد من خبرة من هم أكبر منه سناً وكانت تربية الأبناء مسؤولية الجميع، فإذا أخطأ طفل وجد من ينصحه ويوجهه من الأهل أو الجيران أو المعارف، وكان والداه يقدران ذلك ولا يغضبان، كانت الثقة بين الناس كبيرة، فكثير من البيوت كانت أبوابها مفتوحة، ويشعر الجميع بالأمان فيما بينهم.
كانت المجالس مدرسة يتعلم فيها الصغار حسن الإستماع، وآداب الحديث، ويستفيدون من قصص الآباء والأجداد وتجاربهم، مشاركة الناس في الأفراح والأتراح كانت نابعة من المحبة، فلا ينتظر أحد دعوة ليقف مع جاره أو قريبه، وكان أهل الحي يتعاونون في بناء البيوت، ومساعدة المحتاج، وإنجاز الأعمال التي تحتاج إلى تكاتف الجميع، فإذا مرض أحد وجد جيرانه يسألون عنه، ويقضون حوائجه حتى يعود إلى عافيته.
ونضيف، كانت الحياة بسيطة في مظاهرها، لكنها مليئة بالرضا والقناعة والبركة، كان الأطفال يلعبون معاً في الأزقة والساحات، مما عزز بينهم روح المحبة والتعاون وتحمل المسؤولية، وكان الناس يعرف بعضهم بعضا معرفة حقيقية، تجمعهم المودة وحسن الجوار، وليس مجرد السلام العابر.
كانت الكلمة لها قيمة، والوعد لا يخلف، والثقة بين الناس من أهم ما يميز المجتمع، رغم قلة وسائل الاتصال، كانت صلة الرحم أقوى، والزيارات أكثر، والسؤال عن الأحوال عادة لا تنقطع، كما كانت المناسبات الدينية والاجتماعية تجمع الناس على المحبة والتعاون، وتشعر الجميع بأنهم أسرة واحدة.
ونختم، أن المقصود من كتابتنا هذه وتذكارنا هذا، ليس مجرد الحنين، ولا القول إن الماضي كان خالياً من الأخطاء، وإنما التذكير بالقيم الجميلة التي عاشها الناس آنذاك، لأنها قيم لا يحدها زمن، ويمكن أن تعود إلى حياتنا متى تمسكنا بها وحرصنا على إحيائها بين أبنائنا ومجتمعنا.
لنأخد من حياتنا الذنيوية دروساً ومنهجاً، فإن المحبة التي تنشأ بين أهل الإيمان والتقوى ليست محبة عابرة ولا هي تقوم على المصالح الشخصية أو المنافع الذنيوية، بل هي محبةً متجذرة في الإيمان بالله والقيم المشتركة، وليكون لدينا دائماً المبدئ القويم بأن تكون علاقتنا لبعضنا البعض مبنيةً على الأخلاص والوفاء والصدق والتفاهم، ولا نجعل في أنفسنا حواجز، بأن الروابط الاجتماعية تنتهي الصداقة فيها والمودة والجيرة الجميلة بمجرد تغيير الظروف أو زوال الجاه أو المال، لتكون أساسها محبة الله، فمن أحب لله وأبغض لله، كانت علاقته أسمى من تقلبات الذنيا، فالمودة اساسها الإيمان، لا تهزمها الأيام ولاتفسدها المصالح، بل تبقى نوراً في القلوب وذخراً عند الله سبحانه وتعالى.












