كفى فرديةً... نريد فريقاً

هناك فرقُ شاسع بين أن تجمع أفراداً في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحد، وبين أن تبني فريقاً يعمل بروحٍ واحدة ورؤيةٍ واحدة، وهدفٍ واحد، وذلك لأن الفريق لا يُقاس بعدد أفراده، ولا بما يمتلكه من إمكانات فردية، بل بمدى انسجامهم، وتكامل أدوارهم، وتوحّد جهودهم، وقدرتهم على تحقيق الهدف المشترك.

ولعل أوضح مثال على ذلك فريق كرة القدم، إذ يضم أحد عشر لاعباً من نجوم المنتخب، يمتلك كل واحد منهم من المهارة والموهبة والكفاءة ما يمكّنه من التأثير في نتيجة المباراة وربما قلبها، لكن إذا رأى كلُّ لاعبٍ أن نجاحه أهم من نجاح فريقه، واحتفظ بالكرة ليخطف الأضواء لنفسه، فلن يكونوا فريقاً حقيقياً، بل سيبقون مجرد مجموعة من اللاعبين يتنافسون فيما بينهم أكثر مما يتعاونون لتحقيق الفوز، فالفِرق العظيمة لا تُصنع بكثرة أعداد النجوم، ولا ببراعة المهارات الفردية، بل بقدرتها على جعل الجميع يلعبون من أجل هدفٍ واحد وبروح واحدة.

والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات: فقد تمتلك أفضل الكفاءات، وأعلى المؤهلات، وأحدث التقنيات، وأوفر الموارد، ومع ذلك تعجز عن تحقيق النتائج التي تطمح اليها، ليس بسبب نقص الإمكانات أو ضعف الكفاءات، بل بسبب غياب الرؤية المشتركة، وتشتت الجهود، وانفراد كل فرد بالعمل بعيداً عن روح الفريق.

فكما أن الهدف في كرة القدم لا يصنعه لاعب واحد، أو نجم واحد، بل هو ثمرة تمريرات متقنة، وتحركات منسقة وثقة متبادلة بين جميع اللاعبين، فإن الإنجازات الكبرى في المؤسسات المتقدمة لا يصنعها الأذكى، ولا الأقوى ولا حتى الأكثر خبرة، بل يصنعها الفريق الذي يعرف كيف يوظف ذكاء الجميع، وخبرة الجميع، وجهود الجميع في الاتجاه نفسه.

ومن هنا تبرز الحقيقة التي تغفل عنها كثيرُ من المؤسسات وهي: أن التحدي الحقيقي ليس في استقطاب أفضل الأفراد أو حتى الموهوبين فحسب، بل في تحويلهم إلى فريق متجانس يعمل بروح واحدة، ويثق بعضه ببعض ويضع نجاح المؤسسة فوق نجاحه الشخصي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو الفريق الحقيقي؟ وهل توجد في مؤسساتنا سواء كانت دينية أم اجتماعية أم رياضية فرق حقيقية، أم أنها لا تزال مجرد تجمعات من الأفراد؟ ولماذا تغيب روح الفريق عن كثير من مؤسساتنا؟ وكيف يمكن تحويل مجموعة من الأفراد إلى فريق متكامل؟.

مفهوم الفريق

الفريق في المفهوم الإداري هو مجموعة من الأفراد يمتلكون مهارات متكاملة، ويلتزمون بهدف واحد مشترك ويعملون وفق رؤية ومنهج واحد، ويتحملون المسؤولية الجماعية عن النتائج، تماماً كما هو الحال في طاقم الطائرة: فنجاح الرحلة لا يتوقف على مهارة قائدها وحده، بل هو ثمرة تكامل الأدوار بين المراقبين الجويين، والمهندسين، وطاقم الضيافة، وسائر أفراد الطاقم، حيث يؤدي كلُّ منهم دوره بدقة في الوقت المناسب حتى تصل الطائرة إلى وجهتها بأمان.

الفرق بين الفريق ومجموعة العمل

هناك خلط شائع بين مفهوم الفريق، ومفهوم مجموعة العمل، ويعود ذلك إلى وجود التشابه الظاهري بينهما فكلاهما يضم عدداً من الأشخاص يعملون داخل المؤسسة نفسها، ويؤدون أعمالاً تبدو متقاربة، بل وربما يسعون جميعاً إلى خدمة المؤسسة ذاتها، إلا أن الدراسات الإدارية الحديثة تؤكد أن هذا التشابه شكلي فقط وليس في المضمون، إذ إن الفريق ليس مجرد مجموعة أشخاص يعملون جنباً إلى جنب، بل منظومة متكاملة تتفاعل عناصرها بصورة تجعل الناتج الكلي أكبر من مجموع الجهود الفردية.

فمجموعة العمل هي: أفراد يعمل كل واحد منهم على إنجاز مهامه الخاصة، وقد يتبادلون المعلومات أو ينسقون فيما بينهم، لكن مسؤولية الأداء والنتائج تبقى مسؤولية فردية، ويُقاس نجاح كل شخص بما أنجزه هو لا بما حققه المجموعة ككل، ويمكن تشبيه ذلك بموظفي قسم المحاسبة، أو بالأقسام المختلفة في مؤسسة واحدة، فكل قسم يعمل بمعزل عن الآخر، فالمحاسبة تؤدي عملها، والمشتريات تؤدي عملها، والموارد البشرية تؤدي عملها وكل قسم يحقق مؤشرات أدائه الخاص به، لكن المؤسسة في النهاية قد تفشل في تحقيق أهدافها الكبرى بسبب غياب التكامل بين الجهود.

أما الفريق: فهو مجموعة من الأفراد ذوي المهارات المتكاملة، يعملون بروح واحدة، ورؤية واحدة، وهدف واحد، ويتحملون مسؤولية جماعية عن النتائج، بحيث يصبح نجاح أحدهم نجاحاً للجميع، وإخفاق أحدهم مسؤولية الجميع، وقد عرّف الباحثان كاتزنباخ وسميث الفريق بأنه ”عددُ صغير من الأشخاص ذوي المهارات المتكاملة، يلتزمون بهدف مشترك، وأهداف أداء مشتركة، ومنهج عمل مشترك، ويحاسبون أنفسهم بصورة جماعية على النتائج“

ولعل من أجمل الأمثلة الواقعية على ذلك ما يحدث داخل غرفة العمليات في المستشفى: فنجاح العملية الجراحية لا يُنسب إلى الجراح وحده، مهما بلغت مهارته، بل هو ثمرة عمل متكامل بين طبيب التخدير والممرضين، والفنيين، وكل فرد في الفريق، ولو أخطأ أحدهم، أو عمل بمعزل عن الآخرين، فإن نجاح العملية بأكملها يصبح مهدداً، مهما كانت كفاءة بقية الأعضاء.

ولهذا يرى ستيفن كوفي في كتابه العادة الثامنة أن ”القوة الحقيقية تكمن في التآزر، حيث يصبح الناتج الذي يحققه الفريق أكبر من مجموع ما يستطيع أفراده تحقيقه منفردين“ وهذا هو جوهر العمل الجماعي، فالفريق لا يجمع الطاقات فحسب، بل يُضاعف أثرها من خلال التكامل والثقة والتنسيق.

لماذا تغيب روح الفريق الحقيقية؟

لا شك أن العمل الجماعي يمثل أحد أهم مقومات نجاح المؤسسات، فلا تستطيع أيُ مؤسسة، مهما امتلكت من إمكانات وكفاءات، أن تحقق أهدافها بالجهود الفردية المتفرقة، ومع ذلك، نلاحظ أن روح الفريق الحقيقي تغيب في كثير من مؤسساتنا، رغم كثرة الحديث عن أهميتها والدعوة إليها، ومن وجهة نظري أرى أن أحد أبرز الأسباب لذلك تكمن في التالي:

1 - تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة المشتركة

أعتقد أن المشكلة الحقيقية في العمل الجماعي ليست في ضعف الإمكانات، ولا في نقص الموارد والكفاءات، ولا حتى في قلة الخبرات، لأن ذلك كله يمكن تعويضه بالتعلّم والتدريب واستثمار الطاقات، ولكن المشكلة تكمن في اللحظة التي تتحول فيها المصلحة الشخصية إلى البوصلة التي توجه السلوك، ونقصد بها ما نحمله في داخلنا من رؤى وقيم، ومبادئ، ومهام، ووعي، وتوجه، فيبدأ كل فرد بالبحث عن نجاحه الخاص ولو كان ذلك على حساب نجاح الفريق، ولهذا قال أندرو كارنيجي ”العمل الجماعي هو الوقود الذي يمكّن الأشخاص العاديين من تحقيق نتائج غير عادية“ أما إذا أصبح الوقود هو الأنا، والمصلحة الشخصية، فلن تحقق المؤسسة ما تستحقه من نتائج مهما امتلكت من إمكانات وكفاءات.

2 - غياب القيادة التي تصنع الفريق

ليس دور القائد أن يوزع المهام ويُتابع تنفيذها فحسب، بل أن يخلق بيئة يشعر فيها الجميع بالاحترام والتقدير ويشجعهم على الحوار الصريح، ويُعالج الخلافات قبل أن تتحول إلى صراعات شخصية، ويربط نجاح كل فرد بنجاح الفريق بأكمله، أما عندما يميز القائد بين العاملين، أو ينسب الإنجاز إلى شخص واحد، ويتجاهل جهود الآخرين، فإنه يعزز الفردية والمنافسة السلبية، حتى وإن كان يُطالب الجميع ظاهرياً بالعمل الجماعي.

ولعل خير مثال على ذلك قائد الأوركسترا: فهو لا يعزف على أي آلة موسيقية، لكنه يجعل عشرات العازفين المختلفين ينتجون لحناً واحداً، ولو حاول كل عازف أن يرفع صوته ليغطي على الآخرين لتحول اللحن إلى ضوضاء صاخبة، وكذلك القائد الحقيقي، لا يصنع النجاح بمهاراته الشخصية، وإنما بقدرته على تنسيق طاقات الآخرين، وإظهار أفضل ما لديهم، وربط الجميع بهدف واحد مشترك.

3 - غياب الهدف والرؤية المشتركة

قد يعمل الجميع بجد، ويبذل كل فرد أقصى ما يستطيع، ومع ذلك لا تتحقق النتائج المطلوبة، ليس لأن العاملين مقصرون أو غير أكفاء أو يفتقرون إلى الخبرة، بل لأن كل واحد منهم يسير في اتجاه مختلف، وهذا غالباً ما يحدث بسبب غياب الرؤية، وعدم وضوح الأهداف، واختلاف الأولويات بين الافراد والاقسام، ولهذا يرى بيتر دراكر ”أن الثقافة التنظيمية والرؤية المشتركة أهم من كثرة الخطط لأن الناس لا يستطيعون العمل معاً إذا لم يعرفوا إلى أين يتجهون“، وهي حالة تشبه وجود عدد من المجدفين في قارب وكل واحد منهم يجدف باتجاه مختلف عن الآخر، فلربما لم يتحرك القارب أو دار حول نفسه رغم الجهد الهائل المبذول، أما إذا اتحدت الضربات والاتجاه، فإن القارب ينطلق بسرعة قد تفوق مجموع القوة الفردية لكل مجدف.

4 - غياب الثقة داخل الفريق وخارجه

لا يمكن لاي فريق أن يحقق النجاح ما لم تُبنَ علاقاته على الثقة، فهي التي تدفعهم إلى تبادل المعرفة، والتعاون ومساندة بعضهم بعضاً، وفي المقابل، فإن نجاح الفريق يعتمد أيضاً على ثقة المجتمع أو المستفيدين أو الإدارة به فكلما ازداد انسجام الفريق وصدق أدائه ووفاؤه بوعوده، ازدادت الثقة به، وتعززت قدرته على الإنجاز، أما إذا فقد الفريق الثقة من داخله، او اهتزت صورته في أعين الآخرين، فإنه يفقد أحد أهم مقومات نجاحه، مهما امتلك من كفاءات وإمكانات، ولذلك هناك قول مشهور لـ وارن بافيت يقول فيه ”يستغرق بناء السمعة عشرين عاماً، وقد تُدمّر في خمس دقائق“

ولتحويل مجموعةٍ من الأفراد إلى فريق حقيقي فلابد من رؤية ٍ مشتركة، وثقةٍ متبادلة، وتكامل في الأدوار وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، فهناك فقط تتحول الجهود الفردية إلى إنجاز جماعي

وفي النهاية... فإن الفرق بين مؤسسةٍ عادية ومؤسسة ٍ استثنائية لا يكمن في عدد الموهوبين أو الكفاءات فيها فحسب، بل في قدرتها على تحويلهم إلى فريق يعمل بعقل ٍ واحد، وروح واحدة، وهدف ٍواحد، فالأفراد قد يصنعون نجاحاً عابراً، أما الفرق الحقيقية فهي التي تصنع الإنجازات المستدامة.