لماذا لا يعتزل المثقف؟
قبل عدة سنوات، كتبت مقالاً في هذه الصحيفة الغرّاء، تناول بشيء من الاختصار والمباشرة فكرة أو ظاهرة اعتزال المثقف والتي وجدت لها قبولاً وصدىً في الثقافة والقناعة الغربية، بينما ما زالت محل استنكار واستغراب الفكر والمزاج العربي، وقد يزيد ويقل هذا التباين والتضاد بين العالمين الغربي والعربي وفقاً لقيمة ومكانة المجتمعات والأمم الحضارية والجغرافية.
وقد ذكرت في ذلك المقال أن فكرة الاعتزال ارتبطت بنجوم الرياضة والفن وذلك نتيجة تقدمهم في العمر أو الاكتفاء بما قدموا من إبداعات وعطاءات، ولكن ذلك لا يحضر عادة في العوالم والفضاءات الأخرى كالأدب والثقافة والكتابة والرواية والشعر والرسم، رغم تشارك الملامح والتفاصيل، بل وتشابك الأسباب والروافد التي تتقاسم وتتقاطع مع عالم الرياضة والفن كالعمر وفقدان الرغبة والشعور بالملل وأفول الوهج وغياب الرمزية ونضوب الموهبة وتراجع الإنتاج وتكرار المحتوى وتأرجح الحرية والخوف من الفشل والمحافظة على الاسم وتغير الأفكار وتجديد الموضوعات وتبدّل المرحلة.
إن فكرة اعتزال المثقف مهما كان لونه أو حجمه، بحد ذاتها، فكرة لا وجود لها في بنية المزاج العربي الذي يضع المثقف في الدرجات العليا من سلم الوعي والإبداع، وهي قيمة مطلقة يمتلكها المثقف لا تخضع عادة لمقاييس العمر أو العطاء، بل على العكس تماماً، فزيادة العمر تُمثّل الخبرة، وثبات العطاء يُراكم التجربة، وكيف للمثقف الذي يحمل الخبرة والتجربة أن يعتزل!
إن فكرة اعتزال المثقف، كانت وما زالت - ولكنها لن تبقى - مستبعدة، وإن حدثت فهي مجرد تجارب محدودة جداً ولا ترقى لأن تُشكّل ظاهرة ثقافية أو نهاية طبيعية. حتى وقت قريب، لم يكن يجرؤ المثقف على إعلان اعتزاله عن الحقل أو الفضاء الثقافي الذي ينتمي إليه، لأن تهمة الفشل ستكون خاتمة لمسيرته الطويلة، لذا يُفضّل الانزواء عن الأضواء أو الانسحاب من المشهد بهدوء ودون ضجيج، الأمر الذي سيجنبه الكثير من الانتقادات والاتهامات.
في ذلك المقال، لم أكتب رأيي حول ظاهرة اعتزال المثقف، وفضّلت عرض الفكرة والاختلاف حولها، ولكنني هذه المرة، أجدني أكثر رغبة أو جرأة لكتابة وجهة نظري بكل صراحة وموضوعية. إن اعتزال المثقف بمختلف أشكاله ومستوياته، ظاهرة صحية وضرورة طبيعية، خاصة حينما يشعر أنه قد فقد الكثير من الشغف والتجدد، وأصبح يُكرر ما يكتب أو يقول، ولم يعد قادراً على إنتاج ما يُدهش أو يُثري.
اعتزال المثقف، ليس بالضرورة هروباً أو عجزاً، وليس نهاية أو موتاً، ولكنه قناعة تامة أن لكل قصيدة بيتاً أخيراً، وأن لكل رحلة مهما طالت محطة أخيرة.













