لصوص الحي.. حين تُسرق الحقوق بلا أقفال

حين نسمع كلمة «لصوص»، يتبادر إلى أذهاننا أولئك الذين يسرقون الأموال والممتلكات، ويتسللون إلى البيوت أو الأماكن العامة خفيةً، بحثًا عن مال أو شيء ثمين. لكن هناك نوعًا آخر من اللصوص قد لا يحملون في أيديهم سلاحًا، ولا يقتحمون الأبواب، ولا يمدون أيديهم إلى جيوب الآخرين، ومع ذلك فهم يسرقون... ويسرقون شيئًا قد يكون أثمن من المال، ألا وهو حقوق الآخرين وكرامتهم وخصوصيتهم ومساحتهم التي كفلها لهم الشرع والنظام والأخلاق.

إنهم «لصوص الحي»؛ أولئك الذين يتعاملون مع حقوق جيرانهم بمنطق «من سبق لبق»، كما يقول المثل الشعبي، فيستولون على ما ليس لهم، ويعتدون على ما لا يملكون، وكأن حق الآخرين مباح لهم لمجرد أنهم يستطيعون الوصول إليه أو استغلاله.

وقد يكون هذا الاعتداء بسيطًا في ظاهره، لكنه كبير في أثره؛ كمن يوقف مركبته أمام كراج منزل جاره، أو أمام مدخل بيته، أو يستولي على موقف مخصص له، أو يضع مركبته تحت مظلة جاره دون استئذان، أو يعبث بحديقته وأشجاره، أو يتدخل في خصوصياته ومساحته الخاصة، أو يستولي على حق من حقوقه العامة أو الخاصة.

وقد يرى البعض أن هذه التصرفات أمور بسيطة لا تستحق الوقوف عندها، لكنها في الحقيقة تكشف عن خلل أعمق من مجرد مخالفة عابرة؛ إنها تكشف عن ثقافة التعامل مع حقوق الآخرين، وعن مقدار ما يحمله الإنسان من احترام للجار والإنسان والمجتمع.

ثقافة الجوار.. أين ذهبت؟

لقد عشنا، وتربينا، في أحياء كانت علاقة الجيران فيها تقوم على المحبة والمروءة والإيثار. كان الجار يؤثر جاره بما يملك من طعام أو شراب أو حاجة، ويتفقده في أفراحه وأحزانه، ويحرص على مساعدته، لا طمعًا في مقابل، وإنما تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى، وطلبًا للأجر والثواب، وتعميقًا للعلاقة الإنسانية والاجتماعية.

وكان الجار يرى جاره جزءًا من أسرته الكبيرة؛ يحترمه، ويصون حرمته، ويخاف عليه، ويقوم بخدمته عند الحاجة، ويحرص على راحته كما يحرص على راحة أفراد أسرته.

بل إن ثقافة احترام الجار كانت تبدأ من داخل الأسرة؛ فيحرص الأب والأم على تربية أبنائهما على احترام الجيران، وعدم إيذائهم، وعدم التعدي على ممتلكاتهم أو خصوصياتهم، لأن الدين الإسلامي لم ينظر إلى حق الجار باعتباره مجرد علاقة اجتماعية، وإنما جعله من الحقوق التي ينبغي صيانتها وحفظها.

وقد أكد القرآن الكريم ذلك بوضوح، فقال تعالى:

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ

[النساء: 36].

فانظروا كيف قرن القرآن الكريم الإحسان إلى الجار بعبادة الله والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى وسائر الفئات التي لها حقوق على الإنسان.

ولم تكن وصايا النبي الأكرم محمد بحق الجار قليلة أو عابرة، فقد ورد عنه :

«ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

وهذا الحديث وحده كافٍ لبيان عظمة حق الجار ومكانته في الإسلام.

كما ورد عن الإمام علي في وصيته:

«اللهَ اللهَ في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم».

إنها ثقافة كانت تجعل الإنسان يشعر بأن جاره ليس غريبًا عنه، بل هو جزء من نسيجه الاجتماعي والإنساني، وأن ما يصيبه من أذى أو حاجة أو ضيق يعني أن هناك إنسانًا قريبًا منه ينبغي أن يشعر به ويقف إلى جانبه.

من «أنا» إلى «أنا ومن بعدي الطوفان»

لكننا، للأسف، نشهد في زماننا صورًا من السلوك الاجتماعي لا تنسجم مع تلك الثقافة الجميلة.

فقد أصبح البعض يعيش تحت شعار غير معلن: «أنا، ومن بعدي الطوفان».

يرى حقه أكبر من حقوق الآخرين، ومساحته أوسع من مساحة جاره، ومصلحته مقدمة على راحة الجميع. وقد يصل الأمر بالبعض إلى الاستيلاء على حقوق جاره لمجرد أن صاحب الحق انتقل إلى منزل آخر، أو لم يعد يقيم في المكان بصورة يومية.

وهنا تظهر صورة أكثر غرابة، أن يطالب الإنسان بحقه في ملكه، فيأتيه الرد بكل برود: «أنت لا تسكن هنا حاليًا!».

وهل عدم الإقامة اليومية في منزل أو عقار يسقط ملكية صاحبه؟ وهل انتقال الإنسان إلى مسكن جديد يعني أن حقوقه في مسكنه أو ملكه السابق أصبحت مباحة للآخرين؟

إن مثل هذا التفكير لا يمثل فقط تجاوزًا للحق، وإنما يكشف عن خلل في فهم معنى الملكية والخصوصية وحقوق الجوار.

والأكثر إيلامًا أن بعض هذه التصرفات تحدث رغم أن صاحب الحق قد يطالب بحقه بأدب واحترام، فلا يجد استجابة، بل ربما يواجه بالوقاحة أو اللامبالاة، وكأن حسن أخلاقه أصبح سببًا لاستغلاله!

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: ما الذي يدفع الإنسان إلى الاستيلاء على حقوق جاره؟

هل هو حب التملك؟

أم اللامبالاة بحقوق الآخرين؟

أم ضعف في الوازع الديني والأخلاقي؟

أم شعور بالنقص يحاول صاحبه تعويضه من خلال فرض نفسه على الآخرين والاستيلاء على ما ليس له؟

السلوك عنوان التربية

إن الإنسان لا يُعرف بكثرة كلامه عن الأخلاق، وإنما يُعرف بأخلاقه حين تتعارض مصلحته مع مصلحة الآخرين.

فالسلوك هو المرآة الحقيقية التي تكشف تربية الإنسان وشخصيته.

قد يكون الإنسان متحدثًا لبقًا، أو صاحب مكانة اجتماعية، أو كثير الحديث عن القيم والمبادئ، لكن الاختبار الحقيقي يظهر عندما تكون له فرصة للاستيلاء على حق ليس له، أو عندما يستطيع أن يؤذي شخصًا دون أن يخشى عقوبة أو مساءلة.

هنا يظهر معدن الإنسان الحقيقي.

وقد قال الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ

[النحل: 90].

فالعدل ليس شعارًا نرفعه، وإنما سلوك نمارسه، والإحسان ليس كلمات جميلة نتحدث بها، وإنما موقف نترجمه في تعاملنا مع الآخرين.

ومن أجمل ما ورد عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين في رسالة الحقوق، حديثه عن حق الجار، حيث يؤكد ضرورة حفظه، وكرامته، وعدم إيذائه، والستر عليه، ونصرته إذا ظُلم.

إن هذه المنظومة الأخلاقية لو تحولت إلى ممارسة يومية، لما احتجنا إلى كثير من الأنظمة والعقوبات؛ لأن الإنسان سيصبح رقيبًا على نفسه قبل أن يكون النظام رقيبًا عليه.

الرقيب الحقيقي.. ضمير الإنسان

لا شك أن الأنظمة والقوانين وضعت لحماية الحقوق وتنظيم حياة الناس، ومن واجب الجميع احترامها والالتزام بها؛ لأن مخالفة النظام قد تترتب عليها عقوبات وإجراءات قانونية.

لكن هناك مستوى أرقى من الالتزام، وهو أن يفعل الإنسان الصواب لأنه يؤمن بأنه صواب، لا خوفًا من العقوبة فقط.

فحين أقف بمركبتي في المكان المخصص لي، ليس لأنني أخشى المخالفة فحسب، وإنما لأنني أعرف أن هذا المكان حق لغيري.

وحين لا أستخدم مظلة جاري أو موقفه أو مساحته الخاصة دون إذنه، فليس لأن النظام يمنعني فقط، بل لأن ضميري وأخلاقي وديني يمنعني.

وحين أحرص على ألا أؤذي جاري، فأنا لا أنتظر أن يأتي أحد ليحاسبني، لأنني أعلم أن الله سبحانه وتعالى مطلع على أفعالي.

قال تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

[ق: 18].

فإذا أصبح الضمير هو الرقيب الأول، ارتقى المجتمع كله.

لا نريد لصوصًا في أحيائنا

إن قضية «لصوص الحي» ليست قضية موقف سيارة، أو مظلة، أو شجرة، أو مساحة أمام منزل؛ إنها قضية أكبر من ذلك بكثير.

إنها قضية وعي وثقافة وأخلاق.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء ثقافة الجوار، وأن نعلّم أبناءنا أن احترام حق الآخرين ليس فضلاً نتكرم به عليهم، وإنما هو واجب ديني وأخلاقي وإنساني.

نريد حيًا يعرف فيه كل إنسان أن راحة جاره من راحته، وأن أمانه من أمانه، وأن احترام خصوصيته احترام لذاته.

نريد أن نعيد تلك الروح التي تجعل الجار يفزع لجاره في وقت الشدة، ويسأل عنه في الغياب، ويشاركه أفراحه وأحزانه، ويحفظ له حقه وكرامته وخصوصيته.

فالمجتمع المتماسك لا يُبنى بكثرة الأنظمة وحدها، وإنما يُبنى بأناس يحترمون الأنظمة ويحترمون بعضهم بعضًا.

وحين يتحول احترام الحقوق إلى ثقافة راسخة، لن يكون في أحيائنا «لصوص للحي»، ولا لصوص لحقوق الناس، ولا معتدون على الممتلكات العامة، ولا مستولون على ما ليس لهم.

بل سنرى مجتمعًا متآلفًا، متعاونًا، يكمل بعضه بعضًا، وتسوده المحبة والأخوة الإنسانية، وتجمع أبناءه المواطنة الصادقة والانتماء الحقيقي للمجتمع والوطن.

وفي النهاية، قد لا نستطيع أن نمنع كل لص من سرقة المال، لكننا نستطيع أن نمنع أنفسنا من أن نكون لصوصًا لحقوق الآخرين.

فالسرقة ليست دائمًا يدًا تمتد إلى مال الغير؛

قد تكون سيارة تُوقف في غير مكانها،

أو حقًا يُغتصب،

أو خصوصية تُنتهك،

أو جارًا يُؤذى،

أو مساحة تُستولى عليها،

أو حقًا يُسلب لأن صاحبه سكت احترامًا للأخلاق.

فاحفظ حق جارك، يحفظ الله لك حقك، واحترم مساحة الآخرين، تكن أنت أول من يستحق الاحترام.

وما أجمل أن يعيش الإنسان في حيٍّ لا يحتاج فيه الجار إلى رفع صوته للمطالبة بحقه؛ لأن جيرانه يعرفون حقوقه قبل أن يطالب بها، ويصونونها قبل أن يسأل عنها.

تلك هي أخلاق الجوار التي نحتاج إلى استعادتها، وتلك هي المدينة التي تستحق أن نعيش فيها.

كاتب رأي، وموظف في القطاع المصرفي.