شكرًا معلّمي… هذا أنت
في يوم المعلّم، ازدانت المدرسة بعبارات الشكر، وامتلأت القاعة بالطلاب والمعلمين، وتعاقبت الكلمات التي تحتفي بأصحاب الرسالة وصنّاع الأجيال.
وحين جاء دور الطالب أمجد، وقف أمام الحضور، وأمسك بورقته بكل ثقة، ثم بدأ يقرأ:
«تقف الكلمات حائرةً أمام ما قدّمت، ويعجز القلم عن الإحاطة بعطائك؛ لأن بعض رسائل الشكر لا تُكتب بالحروف، بل تُكتب بالمواقف، والإخلاص، والأثر الذي يبقى في القلوب.
لقد وهبت سنواتٍ من عمرك لتربية الأجيال، وجعلت من التعليم رسالةً إنسانية سامية. غرست العلم، وربيت القيم، وأشعلت في نفوس طلابك شعلة الطموح، فكنت سببًا بعد توفيق الله في نجاح كثيرين وصناعة مستقبل أكثر إشراقًا لهم.
وما زالت كلماتك ودروسك وتوجيهاتك حيّةً في ذاكرتهم؛ فما خرج من قلبٍ مخلص استقرّ في القلوب، وما زُرع بإخلاص لا يستطيع الزمن أن يمحوه.
شكرًا معلّمي… لأنك لم تعلّمنا درسًا فحسب، بل علّمتنا كيف نصنع من أنفسنا شيئًا جميلًا».
كان أستاذ اللغة العربية، الأستاذ حسين، يجلس بين المعلمين يستمع إلى كلمات أمجد.
لم يكن يسمعها ككلمات عابرة في احتفال مدرسي، بل شعر أن خلفها شيئًا مختلفًا… شيئًا يشبه الوفاء القديم.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب من أمجد، وربت على كتفه قائلًا:
— كلمة جميلة يا أمجد… بارك الله فيك. ولكن أخبرني، من كتب لك هذه الكلمات؟
ابتسم أمجد وقال:
— أبي.
سأله الأستاذ حسين باهتمام:
— ومن والدك؟
قال أمجد، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:
— أبي أحد طلابك يا أستاذ.
تغيّرت ملامح الأستاذ حسين قليلًا.
— أحد طلابي؟
قال أمجد:
— نعم. وهو دائمًا يقول لي: «الأستاذ حسين هو الذي غرس في نفسي حب اللغة العربية… وهو أول من جعلني أصدّق أنني أستطيع أن أكتب».
شعر الأستاذ حسين أن شيئًا ما تحرّك في ذاكرته.
سأل بسرعة:
— وما اسم والدك؟
قال أمجد:
— علي.
سكت الأستاذ حسين لحظات.
راحت الأسماء القديمة تتقافز في ذاكرته، والوجوه تمر أمامه واحدًا تلو الآخر؛ فكم من طالب جلس أمامه طوال سنوات التعليم!
وفجأة…
توقف الزمن عند مشهد بعيد.
تذكّر علي.
كان طالبًا في الصف الثالث الثانوي.
وفي أحد دروس التعبير، قال الأستاذ حسين لطلابه:
— أريد من كل واحد منكم أن يقف أمام زملائه دقيقتين، ويتحدث عن أي موضوع يختاره… ولكن بلغة عربية سليمة.
جاء الدور على علي.
تقدم إلى مقدمة الفصل، ووقف أمام زملائه، ثم بدأ يتحدث.
لم يتلعثم.
لم يهرب إلى الكلمات العامية.
كانت جمله مرتبة، ولغته جميلة، وأفكاره تنساب في هدوء وثقة.
وحين انتهى، صفق له الأستاذ حسين قبل الجميع.
ثم قال له أمام زملائه:
— أحسنت يا علي… أنت تملك لغةً جميلة.
اقترب منه وأضاف:
— لا تترك هذه الموهبة. اقرأ كثيرًا، وطوّر لغتك، واكتب… ثم اكتب… ثم اكتب. ستجد نفسك يومًا ما كاتبًا متميزًا.
كانت كلمات بسيطة.
قالها المعلم في دقائق…
ثم مضى الدرس.
ومضت الأيام.
ومضت السنوات.
وربما نسي الأستاذ حسين تلك اللحظة تمامًا.
لكن علي لم ينسها.
عاد الأستاذ حسين من ذاكرته البعيدة، ونظر إلى أمجد وقال:
— نعم… تذكرت أباك.
ثم سأله بشوق:
— وأين علي الآن؟ ماذا يعمل؟
ابتسم أمجد وقال:
— والدي طبيب.
تهلل وجه الأستاذ حسين وقال:
— ما شاء الله… طبيب!
ثم أكمل أمجد:
— لكنه لم يترك اللغة العربية. ما زال يقرأ ويكتب، ولا تزال الكتب أقرب الأشياء إلى قلبه… وقريبًا ستصدر له روايته الأولى.
اتسعت ابتسامة الأستاذ حسين، وقال بصوت اختلط فيه الفرح بالامتنان:
— الحمد لله… الحمد لله الذي أحياني حتى أرى ثمرة كلمة قلتها لطالب قبل سنوات طويلة.
قال أمجد بحماس:
— إذن لا بد أن تحضر حفل توقيع الرواية يا أستاذ. أبي سيفرح كثيرًا برؤيتك.
ومضى شهر…
وجاء يوم توقيع الرواية.
دخل الأستاذ حسين إلى قاعة الحفل بخطوات هادئة، يتأمل الوجوه من حوله.
وما إن لمح الطبيب علي أستاذه حتى ترك من حوله وتقدم إليه مسرعًا.
وقف أمامه لحظة…
كأن عشرات السنين اختصرت نفسها في تلك النظرة.
ثم احتضنه، وقبّل جبينه وقال:
— أهلًا بأستاذي… أهلًا بمن بدأ الحكاية.
جلس الأستاذ حسين، وبعد قليل جاء علي يحمل نسخة من روايته الجديدة.
ناولها لمعلمه بكلتا يديه وقال:
— هذه النسخة الأولى لك.
أخذ الأستاذ حسين الكتاب.
مرر يده على الغلاف.
ثم قرأ العنوان:
«المعلّم المُلهم»
رفع عينيه نحو علي.
لم يجد ما يقوله.
بعض اللحظات أكبر من الكلام.
وبعض المشاعر لا تستطيع اللغة، على اتساعها، أن تحملها.
ابتسم علي، وأشار إلى الرواية بين يدي معلمه، ثم قال بصوتٍ خافت:
— أتذكر يوم قلت لي: «اقرأ… واكتب… وستصبح يومًا كاتبًا»؟
صمت لحظة، ثم أضاف:
— قد تكون نسيت تلك الكلمات يا أستاذ… لكنني عشت بها سنوات.
بدأت عينا الأستاذ حسين تلمعان.
فقال علي وهو يشير إلى عنوان الرواية:
— المعلّم المُلهم… هذا أنت.
خفض الأستاذ حسين رأسه قليلًا، وأخذ يقلب صفحات الرواية، بينما عبرت في خاطره سنوات طويلة من التعليم.
طلاب جاءوا…
وطلاب رحلوا…
دروس انتهت…
وأوراق صُححت…
وكلمات قيلت ثم نُسيت.
لكن واحدةً منها بقيت في قلب طالب، وكبرت معه، حتى عادت بعد سنوات كتابًا بين يدي معلمه.
وهنا أدرك الأستاذ حسين حقيقةً يعرفها كل معلم مخلص:
قد يقول المعلم كلمةً في دقيقة، ثم ينساها…
لكن طالبًا قد يحملها في قلبه عمرًا كاملًا.
فشكرًا لكل معلم آمن بطالب قبل أن يؤمن الطالب بنفسه.
وشكرًا لكل كلمة تشجيع أشعلت موهبةً كانت تنتظر من يوقظها.
وشكرًا معلّمي…
فربما لا ترى اليوم أثر ما تزرع،
لكن بعض البذور تحتاج سنواتٍ طويلة…
ثم تعود إليك يومًا شجرةً مثمرة، تحمل اسمك في إحدى أغصانها.












