مثقفون خارج المزاد

 

 

 

 

كثيرون هم المثقفون داخل المزاد والذين ترتفع أسعارهم أو تنخفض وفقا لآليات العرض والطلب في بورصة الضمائر، وقلة هم المثقفون العضويون الذين اندكوا في الناس، وانصرفوا بما يملكون من قدرات إلى الاهتمام بقضايا الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن دينه وجنسه ولونه وغيرها من الاعتبارات.

ومن هؤلاء القلة المفكر والأكاديمي الأمريكي اليهودي الدكتور "نورمان فينكلستاين" المعروف بمواقفه المبدئية المعادية للصهيونية، والذي ألف العديد من الكتب الجريئة ككتابه الشهير "صناعة الهولوكوست" الذي سبب هجمة شرسة عليه، حيث حاول اللوبي الصهيوني منع الكتاب من النشر والتداول في الدول المختلفة، وكتابه "ما بعد شوزباخ أو الوقاحة المتناهية" الذي ينتقد فيه سوء استخدام لافتة معاداة السامية واستغلال التاريخ، وكتابه " هذه المرة تجاوزنا الحد- الحقيقة والنتائج لغزو غزة ".

الدكتور فينكلستاين لم تمنعه يهوديته أو أمريكيته أن يقف إلى جانب الحق الفلسطيني، بل هو أقرب إلى قضايا العالم العربي من كثير من المثقفين العرب، فقد عاش صيف الأعوام 1988 – 1995 م مع أسر فلسطينية في بيت ساحور ومدن وقرى فلسطينية أخرى ليشهد المأساة بتفاصيلها اليومية، ثم ليكتب عنها " الحقيقة والخيال في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".

وعندما يتحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي تشعر بالخجل أمام تأنيبه لنا كأمة على تقصيرنا في الدفاع عن حقوقنا المشروعة، فهو لا يفتأ يعبر عن خيبة أمله من غياب الفعل العربي عموما والفلسطيني خصوصا بانتظار أن تفعل أمريكا شيئا. ألا تملك أمريكا 99% من أوراق القضية الفلسطينية حسب رأي عرابي أوسلو!! فبرغم القرارات الدولية الصادرة لصالح القضية حول القدس الشرقية وعدم شرعية المستوطنات والجدار العازل، وانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية، إلا أن شيئا منها لم يستثمر، بينما استثمرت الحركة الصهيونية وعد بلفور وحولته إلى واقع. ولذا ينادي فينكلستاين بعدم انتظار الحل من أي أحد: عليكم أن لا تنتظروا أحدا، فقط أنتم القادرون على الانتصار لقضيتكم العادلة التي تتحدث عن نفسها، فقط أنتم الذين ستجبرون اسرائيل على تنفيذ قرار المحكمة وقرارات الأمم المتحدة.

وبرغم ما تعرضت له أسرته على يد النازيين، إلا أنه ومن منطلق مبدئي يرفض استغلال ذلك لتبرير الجرائم الإسرائيلية. وقد أعلن ذلك في محاضرة له في جامعة واترلو الكندية ردا على طالبة يهودية كانت توجه انتقادا له وتحاول استدرار عطف الحاضرين بدموعها وحديثها عن المحرقة اليهودية، فقال: "أنا أحد ضحايا الهولوكوست، فقد ذَبَحَ النازيُّون أمي، وقتلوا أبي، وأعدموا معظم أفراد أسرتي، لكني أمقت أن تُستغلَّ المحرقة النازية -وهي بلا ريب ظلم وجريمة- لتبرير الممارسات الإسرائيلية من تعذيب ووحشيَّة وهدم للبيوت، والتي ترتكبها إسرائيل يومياً ضدَّ الفلسطينيين".

وفي مقابلة له مع تلفزيون المستقبل في العام 2008، تحدث بشجاعة وشفافية عن تأييده لحزب الله من منطلق قيمي بحت، قائلا:

"توجد عندي مشكلة بأن أعلن صراحة مدى تضامني مع حزب الله، ولن أكون جباناً أو منافقاً، فهناك مبدأ أساس : الشعوب لها الحق في الدفاع عن بلادها من المحتلين والوقوف في وجه الغزاة المدمرين ، وهذه أبسط الحقوق من وجهة نظري ، وهو ما قام به حزب الله ولقد أظهر الشجاعة والانضباط وأنا أحترم هذه القيم".

أعلم أنه من الصعب جدا في هذا الزمن الرديء أن تجد مثقفا في عالمنا العربي في مثل التزام فينكلستاين، يدافع عن الآخرين من غير أبناء دينه أو مذهبه أو طائفته أو لغته حين يتعرضون لظلم أو اضطهاد من أي كان، حتى من الدائرة التي ينتمي إليها، لأن فينكلستاين وأمثاله يبنون مواقفهم على أساس إنساني لا يقبل التجزئة أو الكيل بمكيالين، وهو أمر عسير لا يستطيعه كل أحد.

شاعر وأديب