معا لبناء أسرة ناجحة

المكرمون الأعزاء: وقبل البدء والشروع في كتابة هذا المقال نؤكد على هدفنا المنشود وهو الفائدة الحقيقية لما يحويه ذلك العنوان من ظاهرة تستحق منا جميعا مناقشتها نقاشا يسوده الود والاحترام والأخذ بعين الاعتبار المنفعة القصوى لما نهدف إليه، وليس فقط التركيز باتجاه لملمة ونسج البديع من الكلمات وما نخطه لجميل المعاني والمفردات من خلال بريقها وترابطها ورصها مع بعضها البعض، ومِن هذا المنطلق وقبل كل شيء نسألُ اللهَ - جلت قدرته - أن يعيننا ويلهمنا التوفيق والسداد لنقدم مقالا ذا جودة يليق بالقراء المحترمين رجالا ونساء، خصوصا عندما نستفتح هذه الأسطر بذلك العنوان الذي ربما ينظر له البعض بغاية الأهمية؛ لذلك أحببتُ أن أسلط الضوء بقدر المستطاع باعتبارنا - وأقصد هنا بعبارة «باعتبارنا» - جميع أفراد المجتمع الكرام وأننا جزء لا يتجزأ ولا ينفصل عن تلك المنظومة من الناحية الأخلاقية والشرعية والاجتماعية وعلى وجه التحديد ما يتعلق بالواجبات والحقوق على حدٍ سواء.

في حقيقة الأمر لسنا هنا للوعظ أو إلقاء خطبة عصماء أو تقديم عتب أو توجيه لائمة لطرف دون آخر، فما رجونا لكل ما سبق من ذلك مقصدا، ولكن في واقع الأمر ما نريده أحبتي هي وقفة نبتغي منها أن نضع تلك المواقف في نصابها بقدر المستطاع بحيث نتدارسها مع بعضنا البعض بعناية فائقة ونتداولها بعين هادفة وطريقة هادئة سلسة ملؤها حكمة سامية وبصيرة عالية لنصل جميعا لما نريد أن نصل إليه من نتائج مستطابة وصالحة وتصبُّ لصالح أجيالنا الصاعدة بطرق تملؤها الحنكة والاتزان وتدبير المنافع كما يجب ويراد وأن نترك المشاحنات ولا نعير اهتماما للمخاصمة والتوترات ولا نسمع قولا للمنازعة والخلافات.

نعم إن العناية بالقضايا الاجتماعية لا شك هو أمر إلزامي مفروض على الجميع فكلنا مسؤول أمام الخالق جل في علاه حيال أولوياتنا بما يخص الرعية من أبنائنا وأهلنا وبلادنا وهذا واجب يقع على عاتق الجميع لاسيما الصفوة والراشدين وأصحاب الفكر والعقول الراجحة والرصينة التي يُعوّل عليها الكثير للوصول لبيئة تكون أكثر نضوجا وذكاءً وإدراكًا لمخاطر ما يحيط بنا من مساوئ ونوائب هذا الزمان. وكما هو معلوم أن العنصر الأكثر أهمية في خلق مجتمع مترابط ومتحاب هو العناية أولا بالنواة الحقيقية وهي الأسرة بداية بفلذات أكبادنا ويتجلى ذلك بحسن تربيتهم وتعليمهم وصقل مواهبهم ورعايتهم وتلمس حاجاتهم والوقوف معهم وتوفير الأمن والأمان لهم وحمايتهم مما قد يعترض طريقهم حتى يشتد عودهم وينمو فكرهم وتزداد خبراتهم.

إخوتي لا يخفى علينا جميعا بل وندرك تماما أن صيانة الأسرة ليس فقط بتأمين المستهلكات كالمأكل والمشرب وتوفير الأجهزة الذكية لكل فرد من أفراد العائلة أو اقتناء أفضل الملابس والماركات والإكسسوارات، فحقيقة الأمر وفيما يخصُّ تأدية الواجبات فإننا لم ننتهِ هنا فقط مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل ما ذكر آنفا هو من الضروريات وملحقات العيش الكريم وهذا لاريب ولا لَبس فيه، ولكن الأعظم ضرورة والأكثر حاجة مما سبق ذكره هو العناية الفائقة بتأهيل العقول وبناء الذات وترسيخ المبادئ والقيم والتحلي بالخلق الرفيع واحترام الآخرين والتواضع ولين الجانب في نفوس أبنائنا وأن ندفع بطاقتنا جاهدين لإنتاج جيلا قادرا مؤهلا يُعتمد عليه في أحلك الظروف لخوض معترك الحياة وصعوباتها وما يتخللها من مواقف تتطلب صبرا وحكمة لينعموا في آخر المسعى بنتائج تزخر بالطمأنينة والهدوء وراحة النفوس.

إذًا نستطيع القول وبشكل جازم أن القيمة الحقيقية لكثير من المعاني التي يجب توافرها في خضم العلاقات الأسرية والاجتهاد ما أمكن لتحقيقها كالترابط والتعاضد والتعاون والتكاتف وهذه كلها مفاهيم جليلة وأصيلة يتوجب علينا معرفتها كما ينبغي، فكلما كانت العلاقات داخل أسوار بيوتنا مفعمة ومحاطة بالشعور العاطفي وكلما عمَّ الإحساس بالدفء والمودة وتبادل التقدير والاحترام والوقار وخلق المكانة والاعتبار بين الآباء والأمهات والإخوة والأخوات صغارا وكبار كلما أنتجنا فتية وفتيات صالحين نافعين لأنفسهم ولذويهم ولمجتمعهم فاعلين ولوطنهم مبدعين وصانعين ولطموحهم راغبين وللإنسانية مؤثرين ولولاة أمرهم مخلصين ولضائرهم مريدين ولربهم صادقين ومطيعين.

فإن تحقق ذلك وصلنا لما هو مرجو ومنشود، وسنظفر حتما بمنظومة مجتمعية يسودها السكينة والتآلف والانسجام وتتصف بالرجاحة والرزانة والسلام.

السيد جهاد الهاشم كاتب ومعلم، حاصل على درجة الماجستير في الإعلام من كلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض، يجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة العملية في مجال الإعلام والتعليم.