الشكر في حِكم الإمام علي (ع)

كثيرة هي أسماء الحكماء الذين مرت على اسماعنا، ولكن هناك أسماء معينة التي تشدك وتلزمك بالوقوف عند حكمتها لِما لها من وقع على النفس في معناها ولفظها وتأثيرها على الروح والعقل والقلب.

ومن هذا النوع حِكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، هذا الرجل الذي آتاه الله الكمال الرباني في كله؛ في شخصه وشجاعته وبيانه وفصاحته وحكمه وبلاغته... الخ.

هذا الرجل الكرار غير الفرار، هذا الرجل الذي قال لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً دلالة على كمال اليقين بالله تبارك وتعالى.

هذا الرجل الوحيد بعد رسول الله «صلى الله عليه وآلم وسلم» من كِبار الصحابة الذي أجمعت واجتمعت الأمة عليه وعلى استحقاقه بجدارة نيل الخلافة للنبي «صلوات الله عليه».

هذا الرجل الفصيح الذي لم يخلّف مثله أحد في كثرة العدد من الحكم والعِبر والخطب فقد ترك إرثاً في هذا الجانب يتمثّل في نهج البلاغة هذا الكتاب الذي يحمل في طياته الحكم والخطب الغاية في البلاغة والفصاحة حتى أن البعض وصفه أنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين.

وسأتناول هنا نزر يسير من بعض حكمه في «الشكر»، حيث يقول : -

- مَن شكر أستحق الزيادة «1»: -

حكمة كلماتها لا تتجاوز الأربع كلمات ولكنها عميقة وكبيرة في معناها تذكرك بقول المولى الكريم «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ"» «2»

- إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفّروا أقصاها بقلة الشكر «3»: -

وهذه الحكمة للأمير تذكرنا بقول البحتري: -

فإن أنا لم اشكرك لنعماك جاهداً فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكر «4».

- مَن شكر على غير معروف ذم على غير إساءة «5»: -

يقول الشارح «أن من شكر شخصاً على شيء لم يفعله أو على فضل ليس له فإنه يذم نفسه ويُعطي انطباعاً خاطئاً ويظهر نفسه كمن مدح الظلم أو النقص بدلاً من الاحسان الحقيقي».

- من شكر المعروف فقد قضى حقه: -

الشكر على المعروف هو مبالغة في الثناء لمن شكر فقد ورد في الحديث الشريف «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء»، والمعنى العام أنه عندما تشكر شخصاً على معروف قدمه لك فإنك تعترف بفضله وتظهر تقديرك له.

- مَن شكرك على غير صنيعة فلا تأمن ذمه من غير قطيعة «6»: -

من حِكم الأمير ، في الشكر هذه الحكمة التي تبيّن أن مَن شكرك على غير استحقاق ربما يذمك من غير أدنى سبب منك.

- مَن شكر الله تعالى وجب عليه شكر ثانٍ، إذ وفقه لشكره، وهو شكر الشكر «7»: -

في هذه الحكمة من الأمير بيان لولا توفيق الله سبحانه وإلا لم توفّق للشكر فيجب شكر الله تعالى لهذا التوفيق.

وفي حمكه الكثير التي يتناول فيها الشكر - شكر النعم - شكر التوفيق - شكر الله سبحانه، والوفير من المعاني في حِكم الشكر التي ينبغي للمؤمن الاطلاع عليها وعلى ما تحمله من معاني عظيمة زاخرة بجمال الحِكم وجليل المعنى.

«1» الآمدي، القاضي عبد الواحد محمد التميمي - غرر الحِكم ودرر الكلم، ص 347 حكمة رقم 842 - ط 1,1413 هـ - 1992م - دار الصفوة - بيروت لبنان.
«2» سورة إبراهيم: آية 7
«3» أبن أبي الحديد، عز الدين بن هبة الله - شرح نهج البلاغة ج 18 ص 116 - ط1,1407 هـ - 1987م، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم - دار الجيل - بيروت لبنان.
«4» ديوان البحتري، ج2 ص 36
«5» غرر الحكم ودرر الكلم، ص 347 وميزان الحكمة للريشهري ج5 ص1978وحكمة رقم 9631.
«6» غرر الحِكم ودرر الكلم، ص 348
«7» الريشهري، محمد - ميزان الحكمة ج 5 ص 1973 حكمة رقم 2068 - ط 1,1422 هـ - 2002م - دار الحديث - قم المقدسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.